ابن ميثم البحراني
104
شرح نهج البلاغة
منشأ لعروض الشكّ في أنّ هذا الكلام ليس بكلام رجل بهذه الحال ، وإنّما قال : قد قبع في كسر بيت وانقطع إلى سفح جبل لأنّ ذلك من شعار الزّهاد المعرضين عن الدنيا ، والضمير في قوله يسمع وحسّه عائدان إلى من أي لا يسمع هو إلَّا حسّ نفسه ، الثامن قوله ينغمس في الحرب مصلتا استعارة حسنة في النسبة أي في نسبة الانغماس إلى الحرب فإنّ الانغماس حقيقة في الدخول في الماء وما في معناه إلَّا أنّ الحرب لمّا كانت في غمارها واختلاط المتحاربين فيما تشبه الماء المتراكم الجمّ صحّت نسبة الانغماس إليها كما صحّت إليه فيقال : انغمس في الحرب وخاض فيها ونحوه ، وقوله يقطر مهجا إن فسّرنا المهجة بالدم كانت نسبة القطر إليها حقيقة وإن فسّرناها بالروح كانت مجازا تشبيها للروح بالمايعات الخارجة من الإنسان كالدم ونحوه ، التاسع قوله : وهو مع ذلك زاهد الزهّاد وبدل الأبدال الواو للحال وثبوت هذين الوصفين له عليه السّلام معلوم من انتساب الصوفيّة وأهل التجريد إليه ، وقد بيّنا في مقدّمة الكتاب أنّه عليه السّلام كان سيّد العارفين بعد سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه وآله وبيّنا أيضا أنّ نفسه القدسيّة كانت وافية بضبط الجوانب المتجاذبة قويّة عليها فلذلك لم يكن اشتغاله بتدبير أمور الدنيا ، ومعالجات الحروب ، ونظام شمل المصلحة مانعا من الاشتغال بالعبادة التامّة ، والإقبال بوجه نفسه القدسيّة على الانتقاش بأنوار اللَّه ، والإخلاص له ، والإعراض عن متاع الدنيا وطيّباتها ، وهذه من فضائل نفوس الأنبياء وكمالات نفوس الأولياء أمّا الزهد فهو الإعراض من غير اللَّه وقد يكون ظاهرا وقد يكون باطنا إلَّا أنّ المنتفع به هو الباطن قال صلى اللَّه عليه وآله : إنّ اللَّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم بل ينظر إلى قلوبكم ونيّاتكم وإن كان لا بدّ من الزهد الظاهري أوّلا إذ الزهد الحقيقي في مبدء السلوك لا يتحقّق ، والسبب فيه أنّ اللذّات البدنيّة حاضرة ، والغاية العقليّة الَّتي يطلبها الزاهد الحقيقيّ غير متصوّرة له في مبدء الأمر ، وأمّا الظاهريّ فهو ممكن متيسّر لمن قصده ليسير غلبته وهي الرياء والسمعة ولذلك قال صلى اللَّه عليه وآله : الرياء قنطرة الإخلاص ، ولمّا بيّنا أنّ عليّا عليه السّلام كان سيّد العارفين بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله فلا بدّ وأن يكون زهده حقيقيّا ، وستعرف في أثناء كلامه بلوغه في درجة الزهد الغاية ، وأمّا كونه مع ذلك بالشجاعة المشهورة فهو أنّك علمت أنّ نفس العارف يجب أن تكون مستلزمة للملكات الخلقيّة ، وقد عرفت أنّ